- 90 % من الشركات واجهت عقبات في توزيع المنتجات النهائية نتيجة إغلاق الحدود الإقليمية وارتفاع التكاليف المرتبطة بطرق النقل الأخرى
طارق عرابي
كشفت دراسة حديثة قامت بها مؤسسة الكويت للتقدم العلمي، بالتعاون مع مركز التميز في الادارة بجامعة الكويت، عن أن القطاع الصناعي يعتبر أحد القطاعات الرئيسية التي تأثرت سلبا بجائحة فيروس كورونا (كوفيد ـ 19)، وأن هذا القطاع سيتضرر على المدى البعيد بسبب الاضطرابات الناجمة عن انخفاض الطلب ومحدودية المشاريع الجديدة في البلاد.
وأضافت الدراسة، التي حصلت عليها «الأنباء»، أن الاقتصاد الكويتي قد تأثر بسبب استمرار الحظر وتعليق أنشطة الشركات، فضلا عن الاضطرابات المتعددة في سلسلة التوريد والإنتاج.
وشارك في الدراسة، التي قامت بها المؤسسة بالتعاون مع جامعة الكويت، 45 شركة من أصل 600 شركة تعمل في القطاع الصناعي وفي مختلف المجالات، ومنها: الاطعمة والمشروبات، المواد الكيمائية، مواد البناء، المواد المعدنية وغير المعدنية، المنتجات الخشبية، المنتجات الورقية، الأنسجة، المنتجات النفطية المكررة.. وغيرها.
وتوزعت نسب الشركات المشاركة في المسح على النحو التالي: 30% تعمل في قطاع مواد البناء (المدنية)، و23% تعمل في مواد البناء غير المعدنية، أما باقي المشاركات فكانت للشركات المتخصصة في صناعة الورق والمنتجات الورقية بنسبة 14%، والمواد الكيماوية 10%، والأطعمة والمشروبات 7%.
نتائج المسح
وبناء على المشاركات، فإن 85% من المشاركين في المسح رأوا أن الازمة تركت أثرا كبيرا على أعمالهم، فيما أشار معظم المشاركين إلى انخفاض إيراداتهم وأرباحهم بنسبة تزيد على 40%.
وفي جانب التحديات المالية، أشار جميع المشاركين في المسح إلى أن الصعوبات المالية أصبحت أحد أبرز التحديات التي تواجهها شركاتهم، لا سيما تلك المتصلة بالوفاء بالتزاماتهم قصيرة الأمد، فيما رأى 65% من المشاركين ان المجال التشغيلي بات الأكثر تضررا، في الوقت الذي شهدت الشركات التي تعمل في قطاع الصناعات الكيميائية أعلى مستويات التحديات المالية.
وأكد عدد من المصانع ان التقلبات في حجم الطلب بالسوق تركت أثرا كبيرا على غالبية الشركات، حيث اشار 62% من المشاركين إلى وجود ضرر كبير في هذا المجال، كما تأثر الطلب على القطاعات الفرعية الصناعية، كالصناعات الكيميائية ومواد البناء نتيجة إغلاق معظم الانشطة التجارية تقريبا، وتعطيل المشاريع الكبرى بسبب حالة عدم اليقين السائدة.
اما على صعيد توزيع المنتج النهائي، فقد أكد 90% من الشركات المشاركة في المسح أنها واجهت عقبات في توزيع المنتجات النهائية نتيجة إغلاق الحدود الاقليمية وارتفاع التكاليف المرتبطة بطرق النقل الاخرى، فيما كان التأثير اكبر للأزمة على القطاع الفرعي لصناعة المواد الكيميائية نتيجة نقص العمالة، وانخفاض الطلب، وانخفاض مستويات المخزون، فيما تأثرت غالبية القطاعات المتخصصة في تصنيع مواد البناء، والاطعمة والمشروبات بسبب صعوبة الحصول على المواد الخام الناتجة عن تعطل سلسلة التوريد وانخفاض الطلب ونقص العمالة.
التدابير المتخذة
ووفقا للمسح، فقد اتخذت العديد من الشركات الصناعية تدابير فورية لمواجهة الازمة التي سببتها جائحة كورونا، حيث عمدت 39% من الشركات إلى تقليص ساعات العمل بتقليل عدد المناوبات، وتخفيض عدد العمال في كل نوبة، فيما لجأت 19% من الشركات إلى تقليص أعداد الموظفين بإنهاء خدمة بعضهم او مطالبتهم بأخذ إجازات غير مدفوعة الاجر إلى أجل غير مسمى، بينما قامت 17% من هذه الشركات بإغلاق خطوط الانتاج غير العاملة لزيادة مستوى الكفاءة بما يتماشى مع مستويات الطلب المنخفضة، ولجأت 15% منها إلى تخفيض مستويات العمليات التشغيلية والاستغناء عن الادارات غير الاساسية.
وإلى جانب كل تلك التدابير، وضعت الشركات خططا للطوارئ لتكون قادرة على التخفيف من اثر الأزمة على المدى الطويل، اشتملت على التالي:
1 ـ التحول في الصناعة إلى المنتجات الاستراتيجية التي يزيد عليها الطلب، والمنتجات الاساسية اللازمة خلال الازمة.
2 ـ تغيير استراتيجية سلسلة التوريد عبر إعادة تقييم تدفق المواد الخام، وتقييم مستويات الطلب.
3 ـ توسيع نطاق شبكة التوزيع.
4 ـ إعادة التفاوض حول التزامات السداد مع الموردين، وإعادة جدولتها.
5 ـ البحث عن بدائل في القطاع للحد من التكاليف والتعاون مع الجهات الاخرى الفاعلة في القطاع.
تنمية القطاعات الأساسية
وكشفت الدراسة عن الحاجة إلى دعم الصناعات المهمة وأهمية الاستدامة الذاتية بعد إغلاق الانشطة التجارية وتوقف الحركة على مستوى العالم بسبب الجائحة، وقدمت بعض القطاعات الصناعية، كالأطعمة والمشروبات (0.5% من الناتج المحلي الاجمالي لعام 2018)، والمنتجات المعدنية المصنعة (0.2% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2018) دعمها للدولة في مكافحة الجائحة من خلال توفير منتجات غذائية لمراكز الفحص الطبي والمواد اللازمة لمرافق الحجر الصحي، ومع ذلك اصبحت الحاجة إلى الدعم من القطاعات الصناعية الاخرى، كالصناعات الطبية، أكثر تجليا مع استمرار الازمة، سيما مع الصعوبات التي يواجهها أبرز المصنعين العالميين للمنتجات الاساسية، مثل المستحضرات الصيدلانية، بسبب فرض قيود على الصادرات من قبل الدول التي تستضيفهم.
علاوة على ذلك، كانت الحاجة إلى ضمان الأمن الغذائي لعدد متزايد من السكان، والذي يعتمد بشكل اساسي على الواردات، يتطلب تقديم الدعم من اصحاب المصلحة المعنيين بتطوير البنية التحتية للتخزين طويل الامد، فضلا عن الدعم اللوجستي.
وأضافت الدراسة «يمكن النظر إلى تجهيز الشركات بالأدوات اللازمة للتكيف مع التغير السريع في ظروف السوق كجزء من خطوات الاستجابة لتطوير القطاعات الصناعية الاساسية، أما المساعدة في توفير أحدث التقنيات فمن شأنه أن يمكن الشركات الصناعية غير الاساسية من المشاركة في جهود الاغاثة الوطنية في مرحلة مبكرة وتقليل الاعتماد على الأطراف الخارجية».
واشارت إلى انه للتخفيف من ضرر جائحة اخرى وتحسين الجاهزية المحلية، فلابد من تحديد القطاعات الصناعية المهمة ودعم تطويرها، حيث يتطلب ذلك التحدي التعاون مع أبرز أصحاب المصلحة في القطاعين العام والخاص للتصدي له.
مقابلات المسؤولين التنفيذيين
وتطرقت الدراسة إلى مقابلات مفصلة قامت بها مع كبار المسؤولين التنفيذين في قطاع الصناعة، سعيا لفهم التحديات التي تواجههم جراء الاثر الذي خلفه فيروس كورونا المستجد، والتدابير المتخذة لضمان استمرارية العمليات التشغيلية، والدعم المطلوب لمنع العواقب السلبية التي تضر بالانشطة التجارية، حيث أوضحت أبرز الاستنتاجات الرئيسية أنه في حال عدم تحسن الظروف الحالية، ستزداد الصعوبة على الشركات في مواصلة العمليات التشغيلية عند المستويات التي كانت عليها قبل الوباء لأكثر من شهر أو شهرين.
التوقعات المستقبلية
وتطرقت الدراسة إلى التوقعات المستقبلية لقطاع الصناعة الكويتي، فقالت إنه مع بدء الدول إعادة فتح أنشطتها الاقتصادية وفقا لتعليمات الصحة والسلامة الصارمة، لدعم نشاط الشركات والتخفيف من أي آثار اقتصادية واجتماعية ترتبت على أزمة انتشار الفيروس، سيكون مهماً لقادة الاعمال وصناع السياسات فهم التطلعات قصيرة وطويلة الامد في قطاع الصناعة لتوجيه اتخاذ القرارات خلال فترة التعافي، كما أنه من المتوقع أن يؤدي رفع القيود على حظر التجول العام وتخفيف حدة الاغلاق إلى تعزيز الاقتصاد المحلي وإبراز الصعوبات التي يرجح استمرارها إلى حين تطوير لقاح أو علاج فعال للفيروس.
التأثير على المدى القصير
وفيما يتعلق بالتأثير المتوقع على المدى القصير (في غضون 6 أشهر)، لفتت الدراسة إلى انه من المتوقع أن تضطر الشركات الصناعية إلى التكيف مع الحالة الاعتيادية المستجدة، نظرا لأن إجراءات التباعد الجسدي المستمرة ستؤدي إلى عمل الشركات بطاقة محدودة، كما أن الزيادة في عدد الوافدين المغادرين إلى دولهم فضلا عن القيود المفروضة على الوافدين القادمين من الخارج ستؤدي إلى نقص في الايدي العاملة الماهرة.
في الوقت نفسه، توقعت الدراسة بناء على المعلومات التي توافرت أن ينخفض الطلب في مختلف القطاعات الصناعية، وذلك في ظل احتمالية انخفاض الطلب على المواد الكيميائية المصنعة والمنتجات النفطية المكررة، مع الهبوط الكبير في اسعار النفط، علاوة على الانخفاض المتوقع على الطلب في القطاعات المتخصصة في الصناعات الانشائية مع تعليق أو إلغاء المشاريع الحكومية.
كذلك لفتت إلى أنه من المتوقع أن تستمر الاضطرابات في سلسلة التوريد العالمية على المدى القصير، كما من المرجح أن تؤثر على توريد المواد الخام نتيجة تراكم الطلبات والبطء في انتعاش أسواق التوريد الاساسية، كالصين مثلا، مضيفة ان المشاريع الصغيرة والمتوسطة في قطاع الصناعة قد تضطر إلى إيقاف عملياتها لعدم امتلاكها الموارد الكافية التي تمكنها من الصمود أمام آثار الجائحة.
التطلعات على المدى الطويل
وفيما يتعلق بالتطلعات الايجابية على المدى الطويل، أوضحت الدراسة أنه من المتوقع أن ينتعش الاقتصاد الكويتي العام القادم بوصول النمو في الناتج المحلي الاجمالي إلى 3.4% عام 2021.
اما على صعيد التقنيات الرقمية والاتمتة، فأشارت الدراسة إلى أهمية الاستثمار في الرقمنة والاتمتة، وذلك نتيجة الحاجة إلى تعزيز تقنيات العمل عن بُعد، وغيرها من الادوات الافتراضية، وذلك لضمان استمرارية عمليات الانتاج بالحد الادنى من القوى العاملة المطلوبة في ميدان العمل.
تنويع سلسة التوريد وتوطينها
كذلك شددت الدراسة على أهمية تنويع سلسلة التوريد وتوطينها، مبينة أنه من المحتمل أن تشهد سلسلة التوريد الصناعية تنوعا في أنشطتها بعد أن حدد انتشار الجائحة قيودا بالاعتماد على عدد قليل من الموردين العالميين، وقد يتطلع المصنعون إلى توسيع قاعدة الموردين الذين يتعاملون معهم من خلال الاستعانة بمصادر محلية وإقليمية لزيادة مستوى المرونة والقدرة على التعافي، وتوفير أساس لجذب المزيد من الاستثمارات لتعزيز سلسلة القيمة.
التوصيات
من المتوقع أن يكون لجائحة فيروس كورونا أثر طويل الامد على الجوانب المختلفة ذات الصلة بتشغيل الشركات، خاصة فيما يتعلق بمشكلات القيود على السيولة، الالتزامات المادية، تعطيل سلسلة التوريد، مشكلات الانتاج، نقص العمالة، مشيرة إلى أنه لتحمل هذه الآثار طويلة الامد يمكن اتخاذ التوصيات التالية لدعم الشركات الصناعية:
أولا: بالنسبة للقيود على السيولة
1 ـ تيسير إتاحة القروض وخفض تكلفتها، وتقديم ضمانات على القروض وضمانات ائتمانية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.
2 ـ تخفيض إيجارات الاراضي أو التنازل عنها، والسماح بتأجيل دفع الايجار للحد من التكاليف غير التشغيلية.
3 ـ الاعفاء من الرسوم الحكومية، بما فيها الرسوم الجمركية والزكاة وغيرها.
4 ـ سداد الفواتير العاجلة المطلوبة من الجهات الحكومية لزيادة التدفقات النقدية.
ثانيا: بالنسبة للالتزامات المالية
1 ـ زيادة المرونة في إعادة هيكلة القروض وتمديد فترة السماح لإعادة تسديد القروض من 6 اشهر إلى سنة واحدة.
2 ـ إنفاذ برامج الدفع المؤجل على مستوى الشركات الخاصة لتيسير دفع إيجار المعدات والرسوم الاخرى.
ثالثا: بالنسبة لسلسلة التوريد والإنتاج
التوصيات على المدى القصير إلى المتوسط
1 ـ مساعدة الشركات في تحديد موردين بدلاء لضمان التنوع في سلسلة التوريد.
2 ـ مواصلة إنفاق الحكومة على المشروعات، والحفاظ على مسار المشروعات القائمة داخل الدولة للحفاظ على مستوى الطلب.
التوصيات على المدى المتوسط
1 ـ تطبيق برنامج القيمة المحلية لتعزيز الاستثمارات العامة، وتيسير إنتاج المواد محليا لتقليل الاعتماد على الصادرات.
2 ـ توطين الخدمات المقدمة للشركات الصناعية لزيادة الاعتماد على مقدمي الخدمات المحليين.
التوصيات على المدى الطويل
1 ـ تحسين البنية التحتية في القطاع، بما يشمل زيادة الاراضي المتاحة للإنتاج وتحسين التقنيات اللازمة لرفع مستوى الكفاءة.
2 ـ تشجيع الاستثمارات في الأتمتة من خلال القروض والاعانات.
رابعا: فيما يتعلق بالقوى العاملة
٭ التوصيات على المدى القصير: تخفيف المتطلبات التنظيمية ذات الصلة بتوظيف العمالة الوافدة الماهرة بمجرد عودة عمل الشركات لمستوياتها الطبيعية.
٭ التوصيات على المدى المتوسط إلى الطويل: توفير الاراضي اللازمة لمجمعات إقامة العمال على مسافة قريبة من المناطق الصناعية للحد من الاضطرابات في العملية الانتاجية.
خامسا: بالنسبة للشؤون القانونية والتنظيمية
التوصيات على المدى القصير
1 ـ تسريع الاجراءات التنظيمية التي تشمل تجهيز المستندات اللازمة من غرفة تجارة وصناعة الكويت.
2 ـ دعم خدمات المرافق وتحفيز الصادرات، لتكون الشركات أكثر تنافسية من حيث التكلفة مع الجهات الفاعلة في المنطقة.